أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

315

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

معنى قول من يقول : منصوب على المصدر المؤكد . قال الزمخشري : « كقوله : « فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ » « 1 » كأنه قيل : قسمة مفروضة . وقد سبقه الفراء إلى هذا قال : « نصب لأنه أخرج مخرج المصدر ، ولذلك وحّده كقولك : « له عليّ كذا حقا لازما » ونحوه : « فريضة من اللّه » . ولو كان اسما صحيحا لم ينصب ، لا تقول : « لك عليّ حق درهما » . الثاني : أنه منصوب على الحال ، ويحتمل أن يكون صاحب الحال الفاعل في « قلّ أو كثر » ، ويحتمل أن يكون « نَصِيبٌ » وإن كان نكرة لتخصّصه : إمّا بالوصف وإمّا بالعمل ، والعامل في الحال الاستقرار الذي في قوله : « لِلرِّجالِ » . وإلى نصبه حالا ذهب الزجاج ومكي ، قالا : « المعنى لهؤلاء أنصباء على ما ذكرناها في حال الفرض » . الثالث : أنه منصوب على الاختصاص ، بمعنى : أعني نصيبا ، قاله الزمخشري . قال الشيخ « 2 » : « إن عنى الاختصاص المصطلح عليه فهو مردود بكونه نكرة ، وقد نصّوا على اشتراط تعريفه » الرابع : النصب بإضمار فعل أي : أوجبت - أو جعلت - لهم نصيبا . الخامس : أنه مصدر صريح أي : نصبته نصيبا . قوله تعالى : فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ : في هذا الضمير ثلاثة أوجه : أحدها : أن يعود على المال لأنّ القسمة تدل عليه بطريق الالتزام . الثاني : أن يعود على « ما » في قوله : « مِمَّا تَرَكَ » . الثالث : أن يعود على نفس القسمة وإن كان مذكرا مراعاة للمعنى ، إذ المراد بالقسمة الشيء المقسوم ، وهذا على رأي من يرى ذلك ، وأمّا من يقول : القسمة من الاقتسام كالخبرة من الاختبار ، أو بمعنى القسم فلا يتأتّى ذلك . قوله تعالى : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ : قرأ الجمهور بسكون اللام في الأفعال الثلاثة . وهي لام الأمر ، والفعل بعدها مجزوم بها . وقرأ الحسن وعيسى بن عمر بكسر اللام في الأفعال الثلاثة ، وهو الأصل ، والإسكان تخفيف إجراء للمنفصل مجرى المتصل ، فإنهم شبّهوا « وَلْيَخْشَ » ب « كتف » وهذا كما تقدّم الكلام في نحو : « وهي » و « لهي » في أول البقرة . و لَوْ هذه فيها احتمالان : أحدهما : أنّها على بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره ، أو حرف امتناع لامتناع على اختلاف العبارتين . والثاني : أنها بمعنى « إن » الشرطية . وإلى الاحتمال الأول ذهب ابن عطية والزمخشري . قال الزمخشري : « فإن قلت : ما معنى وقوع « لَوْ تَرَكُوا » وجوابه صلة ل « الَّذِينَ » ؟ قلت : معناه : وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافا ، وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم ، كما قال القائل :

--> ( 1 ) سورة النساء ، آية ( 11 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 175 ) .